رئيس مجلس الإدارة
محمد ابراهيم نافع
رئيس التحرير
محمد الصايم
مقالات

شخابيط

محمد الصايم يكتب: سؤال اللغة.. من أبوزعبل إلى الذكاء الاصطناعي

السبت 09/مايو/2026 - 12:47 ص

لم يكن المؤتمر الدولى الحادي عشر لمعامل التأثير العربي، والذي استضافته جامعة الأزهر برئاسة العالم المصرى الدكتور محمود عبد العاطي، مجرد فعالية أكاديمية عابرة، ولا مناسبة بروتوكولية لتبادل الكلمات والصور التذكارية، بل هو رسالة فكرية وعلمية تعيد طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعلم واللغة والهوية ومستقبل البحث العلمي في الوطن العربي.

معامل التأثير العربي

وخلال السنوات الأخيرة، أصبح «معامل التأثير العربي» واحدا من أهم المؤشرات العلمية العربية التي تسعى إلى تقييم جودة المجلات والدوريات والبحوث العلمية باللغة العربية، ودعم النشر العلمي الرصين، وإعادة الاعتبار للغة العربية داخل الجامعات ومراكز البحث العلمي، بعد سنوات طويلة من سيطرة النشر الأجنبي باعتباره الطريق الوحيد للاعتراف الأكاديمي.

 

وعلى مدار يومين كاملين، شهد المؤتمر 13 ندوة علمية شارك فيها علماء وخبراء ومتخصصون من مختلف المجالات، ناقشوا ملفات شديدة الأهمية، من بينها العلوم الإنسانية والتكنولوجيا المتقدمة، والتحول الرقمي في النشر والأبحاث العلمية، وتحديات تعريب العلوم في عصر التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتقاطعة، ونظم التقييم والتعلم المستقبلية، والتعاون الدولي والنشر العلمى باللغة العربية، ومعاملات التأثير وتحديات الذكاء الاصطناعي، وعلوم الاستدامة والتطورات التكنولوجية، والتصنيفات الدولية والنشر باللغة العربية.

أقدم كلية طب فى أبوزعبل

لكن أكثر ما استوقفنى فى المؤتمر، كلمة الدكتور سلامة داود رئيس جامعة الأزهر، عندما تحدث عن أن أقدم كلية طب في الشرق الأوسط تأسست عام 1827 في أبو زعبل، قبل انتقالها إلى قصر العينى عام 1837 وكانت تستقبل طلابا أجانب، مؤكدا أن العلوم كانت موجودة في الأصل باللغة العربية، وأن الغرب نقل الكثير منها عن علمائنا.

تعريب التعليم الطبي

وبعد انتهاء الجلسة، دفعتنى هذه المعلومات إلى البحث في تاريخ تلك المدرسة الطبية العريقة، لأكتشف مفارقة مدهشة، وهى أن الطبيب الفرنسي “كلوت بك ” مؤسس المدرسة، كان من أوائل المؤمنين بفكرة التدريس باللغة العربية، إدراكا منه أن توطين العلم لا يتحقق بلغة مستوردة، وبدأت بترجمة المناهج وتدريسها بالعربية لتصبح تجربة طب أبو زعبل واحدة من أقدم وأنجح تجارب تعريب التعليم الطبي في العصر الحديث. وهنا توقفت طويلًا أمام سؤال مهم، كيف كانت مصر تدرس الطب بالعربية منذ ما يقرب من مائتي عام، بينما ما زلنا حتى الآن نناقش هل يمكن تعريب العلوم أم لا؟!

نسبة الفهم تصل إلى 80%

المشاركون في المؤتمر أكدوا أن أغلب الدول الكبرى تدرس العلوم بلغتها الأم، مثل اليابان وألمانيا والصين وروسيا، وأن نسب الفهم والاستيعاب ترتفع بصورة كبيرة عندما يتعلم الطالب بلغته وقد تصل إلى نحو 80%.

 

القضية هنا ليست صراعًا ضد اللغات الأجنبية، ولا دعوة للانغلاق، فالعلم لا وطن له، والمعرفة الإنسانية ملك للجميع، لكن القضية الحقيقية أن تكون لدينا هوية علمية، وأن نمتلك القدرة على إنتاج المعرفة لا مجرد استهلاكها.

 

لقد أدرك الغرب قيمة لغته فصنع بها العلم والتكنولوجيا، بينما ما زلنا نحن نختلف حول اللغة التي يجب أن نفكر ونتعلم ونبحث بها.

قضية العلم واللغة والهوية

خرجت من المؤتمر وأنا أكثر اقتناعا بأن معركة المستقبل ليست فقط في امتلاك التكنولوجيا، بل في امتلاك العقل القادر على فهمها وتطويرها بلغته وثقافته وهويته. وحين تجتمع المؤسسات العلمية والأكاديمية حول قضية العلم واللغة والهوية، ندرك أن الأمة ما زالت تملك القدرة على استعادة مكانتها، إذا أحسنت قراءة تاريخها، وآمنت بلغتها، وامتلكت إرادة صناعة المستقبل. 

شيخ الأزهر شخصية العام 

ولعل ما منح المؤتمر ثقله الحقيقي، أنه أقيم تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، والذي تم اختياره شخصية العام»، تقديرا الدوره في دعم الفكر الوسطى المستنير والحفاظ على الهوية العربية والإسلامية، إلى جانب مشاركة الدكتور نظير عياد مفتي الديار المصرية، والدكتور عمرو عزت سلامة الأمين العام لاتحاد الجامعات العربية، وعدد كبير من قيادات التعليم العالي والبحث العلمي من مصر والدول العربية