مكاتب الدولارات والمجاملات
عندما تحدثت عن وظائف إدارية بوزارة التعليم العالي يوازي دخلها الشهري أكثر من ثلاثة أرباع مليون جنيه (متوسطها ١٥ ألف دولار) لم يكن يشغلني الرقم في المقام الأول بقدر ما كانت تشغلني تلك الوظائف ذاتها التي باتت تقف وراء معظم صراعات ومشكلات وشكاوى الموظفين في ديوان الوزارة.
السؤال الأكثر إلحاحا
أما السؤال الأكثر إلحاحا هل نحن بحاجة فعلا لهذه الوظائف؟ وهل الرواتب التي ترصد لها منطقية وعادلة؟ وهل طريقة اختيار شاغليها تتمتع بالنزاهة المطلوبة؟
الحديث هنا عن المكاتب الثقافية بسفارات مصر بالخارج التي تتبع فنيا وزارة التعليم العالي وتعمل إداريا وماليا بلوائح وزارة الخارجية.
لفترة من الزمن كان في كل مكتب مستشار وملحق ثقافي من أعضاء تدريس الجامعات أوالأكاديمين إضافة إلى ملحق إداري وعمالة معاونة من موظفي ديوان وزارة التعليم العالي.
قبل سنوات قليلة اتجهت الدولة لتقليص عدد العاملين في تلك المكاتب بل وإغلاق بعضها بعد تقارير رصدت عدم وجود عمل حقيقي يقوم به جانب كبير من المنتدبين لتلك المكاتب وتحولهم إلى عبء مالي على الدولة لحصولهم على رواتب وبدلات ضخمة تفوق متوسط الرواتب في الدول المنتدبين إليها(من متوسط ١٤ ألف إلى ٢٥ ألف دولار غير بدل السكن).
هذه الرواتب تصرف الآن من ميزانية التعليم العالي بند تمثيل ثقافي وتخضع في تحديدها للأقدمية الوظيفية يعني ممكن الملحق الثقافي اللي هو عضو تدريس يبقى راتبه أقل من موظف (بعضهم دبلومات) انتدب كملحق إداري أو كعامل معاون علشان كدا فيه موظفين رواتبهم الشهرية بتتجاوز ١٥ ألف دولار بياخد ثلثهم بالجنيه المصري والباقي بالدولار، غير البدلات والبنود الخفية والهدايا.
بالمناسبة داه بيبقى ثلاثة أو أربعة أضعاف متوسطات الرواتب اللي بيحصل عليها أبناء هذه الدول أو العاملين فيها في الفئات الوظيفية المقاربة.
أحد المنتدبين لهذه الوظائف قال حرفيا إن كل شغلته كانت تحويل مكافآت المبتعثين أول كل شهر وهي مهمة يمكن أن يقوم بها أصغر موظف من مصر وآخر كل مهمته إعداد القهوة والشاي.
وباعتراف أحد رؤساء القطاع السابقين بالوزارة.. كثير من المكاتب يمكن إغلاقها والبعض الآخر يمكن الاكتفاء فقط بالمستشار أو الملحق الثقافي فقط.
نيجي بقى لطريقة اختيار شاغلي تلك الوظائف وهي تتم عن طريق إعلانات ولجنة اختيار.. لكن مافيش لجنة اتعملت إلا وصاحبها القيل والقال ويوميا هناك طعون وشبهات حول مجاملات الاختيار وهناك شكاوى دائمة من استئثار فئة قليلة من موظفي الوزارة وقياديها الإداريين بكنز علي بابا الناتج عن تلك الوظائف.
الخطير هو ما أثير في الفترة الأخيرة حول شبكات المصالح مثل الموظفة التي تلعب دور مؤثر في الاختيار وتجمع عدة مناصب إدارية جعلت الجميع يخطب ودها، ويسعى لإرضائها المتقدمين لإعلانات المستشارين والملحقين الثقافيين، واللي سبحان الله حصلت على منح دراسية بكالوريوس لأبنائها في دولة أوروبية في وقت مافيهوش منح مشابهة خالص واللي سبحان الله أيضا
مستشار نفس الدولة اللي جمايلها مغرقاه، اختار واحدا من أبنائها للعمل في المكتب الثقافي معاه باعتباره موظف محلي يعني من الدولة الأوروبية ويسند إليه مهمة وظيفة تتولى إدارتها والدته في مصر يعني ضمنت له المنحة الدراسية والوظيفة كمان وبقى مشرف على نفسه!!
ولإنها عزبة كل فترة الموظفة إياها بتسافر مع وفود رسمية للبلد اللي أبنائها فيها دون أي سبب حقيقي يستدعي السفر سوى الاطمئنان على الأبناء وطبعا بتاخد بدلات سفر بالدولار كمان.
قصة أبناء الموظفة إياها مش مجرد نموذج فج للمجاملة بل فاضح وكاشف لجانب آخرخفي من (كنز على بابا) وهو إن مرتب الابن المحظوظ بيصرف من بند اسمه جهود ذاتية، والبند داه يعتبر غنيمة كبرى في بعض الدول التي يتواجد بها جاليات مصرية كبيرة يتم تجميعه جراء الرسوم والافتكاسات اللي بتفرض مقابل بعض الخدمات. وبعضها لا تخضع لأي رقابة.
من الشكاوى المتكررة في الوزارة إن وظائف مرتبات الدولارات ديه حكر على عدد محدود من المقربين ورؤساء القطاعات والإدارات وبعض المحظوظين بيسافر أكثر من مرة. ونفوذهم بيبقى أكبر من المستشار الثقافي نفسه.
حدوتة المكاتب الثقافية كبيرة وما بتخلصش لكنها شاهد على ضرورة إعادة هيكلة اللوائح المالية ومراجعة الاختصاصات في ديوان وزارة التعليم العالي.


